رفيق العجم

386

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

إنما تنتظم من ثلاثة أمور . معارف وأحوال وأعمال . فالمعارف هي الأصول وهي تورث الأحوال ، والأحوال تثمر الأعمال فالمعارف كالأشجار ، والأحوال كالأغصان ، والأعمال كالثمار . وهذا مطّرد في جميع منازل السالكين إلى اللّه تعالى . واسم الإيمان تارة يختصّ بالمعارف وتارة يطلق على الكل - كما ذكرناه في اختلاف اسم الإيمان والإسلام في كتاب قواعد العقائد - وكذلك الصبر لا يتمّ إلّا بمعرفة سابقة وبحالة قائمة . فالصبر على التحقيق عبارة عنها والعمل هو كالثمرة يصدر عنها ، ولا يعرف هذا إلّا بمعرفة كيفية الترتيب بين الملائكة والإنس والبهائم . فإن الصبر خاصية الإنس ولا يتصوّر ذلك في البهائم والملائكة . أما في البهائم فلنقصانها . وأما في الملائكة فلكمالها . ( ح 4 ، 65 ، 16 ) - الصبر ضربان ؛ أحدهما : ضرب بدني ، كتحمّل المشاق بالبدن والثبات عليها . وهو إما بالفعل : كتعاطي الأعمال الشاقّة إما من العبادات أو من غيرها . وإما بالاحتمال : كالصبر على الضرب الشديد والمرض العظيم والجراحات الهائلة . وذلك قد يكون محمودا إذا وافق الشرع . ولكن المحمود التام هو الضرب الآخر : وهو الصبر النفسي عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى . ثم هذا الضرب إن كان صبرا على شهوة البطن والفرج سمّي عفّة ، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي غلب عليه الصبر . فإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر ، وتضادّه حالة تسمّى الجزع والهلع وهو إطلاق داعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت وضرب الخدود وشقّ الجيوب وغيرهما . وإن كان في احتمال الغنى سمّي ضبط النفس ، وتضادّه حالة تسمّى البطر . وإن كان في حرب ومقاتلة سمّي شجاعة ويضادّه الجبن . وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمّي حلما ويضادّه التذمّر . وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمّي سعة الصدر ويضادّه الضجر والتبرّم وضيق الصدر . وإن كان في إخفاء كلام سمّي كتمان السرّ وسمّي صاحبه كتوما . وإن كان عن فضول العيش سمّي زهدا ويضادّه الحرص . وإن كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمّي قناعة ويضادّه الشره ، فأكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر . ( ح 4 ، 70 ، 2 ) - الصبر على ثلاثة مقامات : أوّلها : ترك الشهوة وهذه درجة التائبين . وثانيها : الرضا بالمقدور وهذه درجة الزاهدين . وثالثها : المحبّة لما صنع به مولاه وهذه درجة الصدّيقين . ( ح 4 ، 72 ، 7 ) - ( من ) أنواع الصبر : الصبر عن المعاصي التي صارت مألوفة بالعادة فإن العادة طبيعة خامسة ، فإذا انضافت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند اللّه تعالى فلا يقوى باعث الدين على قمعها ، ثم إن كان ذلك الفعل مما تيّسر فعله كان الصبر عنه أثقل على النفس ،